الخطيب الشربيني

394

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الطعن في شيء مما أخبر به بخلاف غيره والمعنى : أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق ؛ لأني خبير بما أخبرت به . ولما اختص تعالى بالملك ونفى عن شركائهم النفع أنتج ذلك قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ أي : كافة أَنْتُمُ أي : خاصة الْفُقَراءُ وقوله سبحانه إِلَى اللَّهِ إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه ولا اتكال إلا عليه ، وهذا يوجب عبادته لكونه مفتقر إليه وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره . فإن قيل : لم عرف الفقراء ؟ أجيب : بأنه قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء ، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم ؛ لأن الفقر يتبع الضعف وكلما كان الفقير أضعف كان أحقر ، وقد شهد الله تعالى على الإنسان بالضعف في قوله تعالى وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [ النساء : 28 ] وقال تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [ الروم : 54 ] ولو نكر لكان المعنى : أنتم بعض الفقراء . قال القشيري : والفقر على ضربين : فقر خلقة ، وفقر صفة فالأول عام ، فكل حادث مفتقر إلى خالقه في أول حال وجوده ليبدئه وينشئه ، وفي ثانيه ليديمه ويبقيه ، وأما فقر الصفة : فهو التجرد وفقر العوام التجرد عن المال ، وفقر الخواص التجرد عن الإعلال فحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلومات . ولما ذكر العبد بوصفه الحقيقي أتبعه ذكر الخالق باسمه الأعظم فقال : وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ أي : المستغني على الإطلاق فلا يحتاج إلى أحد ولا إلى عبادة أحد من خلقه ، وإنما أمرهم بالعبادة لإشفاقه تعالى عليهم ففي هذا رد على المشركين حيث قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن الله لعله محتاج إلى عبادتنا حتى أمرنا بها أمرا بالغا وهددنا على تركها مبالغا ، فإن قيل : قد قابل الفقر بالغنى فما فائدة قوله تعالى الْحَمِيدُ أي : المحمود في صنعه بخلقه ؟ أجيب : بأنه لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم وليس كل غني نافعا بغناه إلا إذا كان الغني منعما جوادا ، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق عليهم الحمد ذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه الجواد المنعم عليهم المستحق بإنعامه أن يحمدوه . وقوله تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي : جميعا بيان لغنائه وفيه بلاغة كاملة ؛ لأن قوله تعالى إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي : ليس إذهابكم موقوفا إلا على مشيئته بخلاف الشيء المحتاج إليه فإن المحتاج إلى الشيء لا يقال فيه : إن شاء فلان هدم داره ، وإنما يقال : لولا حاجة السكنى إلى الدار لبعتها ، ثم إنه تعالى زاد على بيان الاستغناء بقوله تعالى : وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أي : إن كان يتوهم متوهم أن بهذا الملك كماله وعظمته فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر أن يخلق خلقا جديدا أحسن من هذا وأجمل ، وعن ابن عباس : يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئا . وَما ذلِكَ أي : الأمر العظيم من الإذهاب والإتيان عَلَى اللَّهِ أي : المحيط بجميع صفات الكمال خاصة بِعَزِيزٍ أي : بممتنع ولا شاق وهو محمود عند الإعدام كما هو محمود عند الإيجاد ، فإن قيل : استعمل تعالى العزيز تارة في القائم بنفسه فقال تعالى في حق نفسه وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [ الأحزاب : 25 ] وقال في هذه السورة عَزِيزٌ غَفُورٌ [ فاطر : 28 ] واستعمله تارة في القائم بغيره فقال تعالى وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ وقال تعالى عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [ التوبة : 128 ] فهل هما بمعنى واحد أو بمعنيين ؟ أجيب : بأن العزيز في اللغة هو الغالب والفعل إذا كان لا